أحمد بن محمود السيواسي
231
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
عمل السفهاء وأنت مكتوب عند اللّه في الأنبياء « 1 » ، وقال الحسن البصري : « إن اللّه تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن تعييرا لهم بها ، ولكن ذكرها ليكونوا على خوف من اللّه تعالى وليعرفوا منزلة النعمة في الإعراض على الزلزلة ولئلا ييأس أحد من رحمة اللّه » « 2 » ، لأن الحجة للأنبياء ألزم ، فإذا قبلت توبتهم كان قبولها من غيرهم أسرع ، وقيل : إنما ابتلاهم اللّه بالذنوب ليتفرد بالعزة والطهارة يوم الحساب ويلقاه جميع الخلق فيه على انكسار المعصية « 3 » ، قيل : لم يذكر في القرآن توبة يوسف وذكر توبة من سواه من الأنبياء الذين صدرت منهم المعصية وإن صغرت فذلك يدل على عدم معصيته « 4 » . قوله « 5 » ( كَذلِكَ ) أي الأمر كذلك أو يتعلق بمحذوف ، أي فعلنا له مثل ذلك الفعل ، يعني من إظهار البرهان ( لِنَصْرِفَ عَنْهُ ) أي عن يوسف ( السُّوءَ ) أي الإثم وهو خيانة السيد ( وَالْفَحْشاءَ ) أي الزنا ( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [ 24 ] بفتح اللام ، أي المختارين وبكسرها « 6 » ، أي المطيعين بالإخلاص للّه في العبادة . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) ( وَاسْتَبَقَا ) أي أسرعا متوجهين ( الْبابَ ) أي الباب الخارج ، أما يوسف فللهرب منها وأما هي فلمنعه عن الخروج « 7 » ، فأدركته من خلفه فتعلقت بقميصه فجذبته إليها لئلا ينخرج من الباب ( وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ) أي وشقته « 8 » ( مِنْ دُبُرٍ ) أي من خلف ( وَ ) لما خرجا ( أَلْفَيا ) أي وجدا ( سَيِّدَها ) وهو زوجها قطفير العزيز ولم يقل سيدهما لعدم صحة ملك يوسف ( لَدَى الْبابِ ) أي عنده جالسا مع ابن عم لزليخا ، فلما رأته هابته ( قالَتْ ) سابقة بالقول « 9 » لزوجها تنزيها لنفسها ( ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ) أي ليس عقاب من قصد بزوجك الزنا ، ويجوز أن يكون « ما » استفهامية بمعنى أي شيء جزاؤه ، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت ( إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ ) أي يحبس في السجن ( أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 25 ] أي ضرب بالسياط ، وإنما لم تصرح بذكر يوسف ، وإنه أراد بها سوء ، لأنها قصدت العموم مبالغة في تخويف يوسف ، فلما سمع يوسف مقالتها ( قالَ ) بناء على قولها ما جزاء من أراد الآية دفعا عن نفسه التهمة ( هِيَ راوَدَتْنِي ) أي طلبت ( عَنْ نَفْسِي ) الفاحشة فأبيت وفررت منها ( وَشَهِدَ شاهِدٌ ) أي قال قائل ( مِنْ أَهْلِها ) وهو أخوها أو ابن عمها أو كان الشاهد صبيا في المهد أنطقه اللّه تعالى فقال ( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ) أي شق ( مِنْ قُبُلٍ ) أي من قدامه ( فَصَدَقَتْ ) زليخا ( وَهُوَ ) أي يوسف ( مِنَ الْكاذِبِينَ ) [ 26 ] لأنه إذا طلبها « 10 » دفعته عن نفسها فشقت قميصه من قدامه . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 27 ] وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) ( وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ) أي خلفه ( فَكَذَبَتْ ) زليخا ( وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ 27 ] لأنها إذا تبعته تعلقت بقميصه لتلحقه وتجذبه إليها فشقته ، وسمي القول شهادة ولا شهادة ثم ، لأنه يقوم مقام الشهادة في ثبوت صدق يوسف وكذبها ، وأورد « كانَ » للمضي بعد « إِنْ » للاستقبال ليعلم أنه كان قميصه قد من قبل « 11 » كما تقول لمن يمن عليك إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك « 12 » من قبل .
--> ( 1 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 70 - 71 . ( 2 ) انظر البغوي ، 3 / 272 . ( 3 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 272 . ( 4 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 71 . ( 5 ) قوله ، ب : - س م . ( 6 ) « المخلصين » : قرأ المكي والبصريان والشامي بكسر اللام ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 162 . ( 7 ) عن الخروج ، ب س : من الخروج ، م . ( 8 ) أي وشقته ، س : أي شقته ، ب م . ( 9 ) بالقول ، ب س : القول ، م . ( 10 ) طلبها ، ب م : طلبه ، س . ( 11 ) قد من قبل ، س : قد قبل ، ب . ( 12 ) كما تقول لمن يمن عليك إن أحسنت إلى فقد أحسنت إليك ، ب س : - م .